فهد العازمي
مؤسس الموقع المتخصص في تقديم آخر أخبار الألعاب، المراجعات، والتغطيات الحصرية لعالم الألعاب الإلكترونية
منذ بروز Bloober Team مع The Medium ونجاحه في إحياء Silent Hill 2 Remake أثبت الاستوديو أنه ليس مجرد صانع تجارب رعب تقليدية بل صانع أجواء غامرة مع Cronos: The New Dawn نرى أول محاولة كبيرة لبناء عالم أصيل بالكامل بعيدًا عن العناوين المستعارة النتيجة ليست فقط لعبة رعب جديدة.
تدور أحداث Cronos: The New Dawn في نسخة مظلمة بديلة من بولندا حيث اجتاح العالم وباء غامض يُعرف باسم The Change وهو طاعون يحول البشر والحيوانات إلى كائنات مشوهة تُدعى الأيتام وفي مواجهة هذا الانهيار الكوني تبرز منظمة غامضة تُدعى The Collective كالأمل الأخير للبشرية إذ تلجأ إلى وسيلة يائسة إرسال مسافرين عبر كبسولة زمنية لاصطياد ما يُعرف بـ Essences وهي أرواح شخصيات تاريخية يُعتقد أن معارفها قادرة على إنقاذ العالم من الفناء.
البطل هنا ليس شخصية بطولية تقليدية بل المسافرة ND-3576 مجرد رقم في سلسلة طويلة من المحاولات الفاشلة كلما سقط أحد المسافرين في مهمته يُستبدل بآخر في دورة عبثية تُغرق السرد بشعور خانق من اليأس لكنها في الوقت ذاته تمنحه هوية فريدة قائمة على التكرار والتضحية.

القصة لا تُروى عبر مشاهد سينمائية مباشرة بل تُبنى ببطء من خلال السرد البيئي تسجيلات تركها المسافرون السابقون ومذكراتهم الأخيرة والرسائل الملطخة على جدران العالم وهذا الأسلوب يجعل اللاعب يشعر وكأنه حلقة جديدة في سلسلة فشل جماعي.
أما على مستوى الثيمات فاللعبة تحفر في قضايا عميقة مثل التضحية وفقدان الهوية استغلال السلطة باسم المنفعة العامة ورغم أن السرد يتأرجح أحيانًا بين العمق والبطء الجامد إلا أن قوته الحقيقية تكمن في التجربة التراكمية حيث يتشكل المعنى من مجموع التفاصيل الصغيرة أكثر من كونه مبنيًا على أحداث كبرى متوقعة.
لأيتام في Cronos: The New Dawn ليسوا مجرد أعداء عابرين بل يمثلون قلب الرعب في التجربة إنهم كائنات مشوهة وناقصة لا تسعى إلى القتل فحسب بل إلى الاكتمال عبر الاندماج وهي فكرة تضيف بعدًا نفسيًا مقلقًا الرعب هنا لا ينبع من الهجوم المباشر فقط بل من قدرتهم على التحول باستمرار نتيجة أخطائك كلاعب.
تنوع مرعب:
تصميم الأيتام يترواح بين زواحف بطيئة تثير القلق ومخلوقات بأذرع طويلة قادرة على الانقضاض من مسافات ووحوش ضخمة تلتصق بالجدران لتحول البيئة نفسها إلى عدو متربص كل مواجهة تصبح غير متوقعة وكأن اللعبة تقول لك لا يوجد نمط واحد للرعب.
الاندماج:
الميكانيكية الأخطر تكمن في الجثث إذا لم تُحرق جثة وحش سقط في المعركة فقد يندمج أحد الأيتام بها مكتسبًا قدرات جديدة مثل قذف الحمض أو تكوين دروع صلبة تجعله أشد خطراً.

البيئات:
كثير من المناطق مغطاة بمادة لحمية كأنها أنفاس وحش عملاق يبتلع العالم دخولك لهذه الأماكن لا يعني فقط تغيير الجو البصري بل إعلان حالة طوارئ الخطر قادم لكنك لا تعرف من أين أو متى.
الرعب في Cronos ليس مجرد مواجهة وحش، بل هو وعي دائم بأن العدو يتطور ويتغذى على إهمالك، وأن كل قرار خاطئ قد يصنع كابوسًا أكبر من الذي حاولت تجاوزه.
ما يميز Cronos: The New Dawn هو أنها لا تعتمد على استعراض القوة أو إغراق اللاعب بالأسلحة والذخيرة بل تبني تجربة رعب قائمة على القرارات الصغيرة التي تصنع الفارق أنت لست عاجزًا تمامًا لكنك أيضًا بعيد عن الشعور بالأمان اللعبة تسير على خط رفيع بين التمكين والحرمان.

الحركة كجزء من الرعب
المسافرة ND-3576 تتحرك ببطء كأن البذلة المعدنية التي ترتديها تثقل كل خطوة هذه الثقل ليس عيبًا في التصميم بل أداة متعمدة لتعزيز التوتر في مواجهة الأيتام وستشعر أن كل التفاف أو اندفاع يحتاج شجاعة محسوبة فالهروب ليس خيارًا دائمًا.
الترسانة: محدودة لكنها حاسمة
البداية بمسدس متواضع توحي بالضعف لكن مع التقدم تُفتح لك أسلحة مثل الشوتجن والبلازما رايفل وقاذف اللهب ليست القوة في العدد بل في الترقية كل سلاح يمكن تطويره ليحمل خصائص جديدة لكن الموارد الشحيحة تجعل اختيارك لما تستثمر فيه قرارًا مصيريًا.
الندرة مورد أساسي
في Cronos العثور على رصاصة إضافية أو قنبلة يساوي النجاة من مواجهة كاملة اللعبة تدفعك لحساب الذخيرة باستمرار كل طلقة محسوبة وكل هدر يُعتبر تقليص لفرصتك في البقاء.
النار
النار ليست مجرد سلاح إضافي بل القانون الوحيد الذي يمنع الأيتام من الاندماج بالجثث واكتساب قوى جديدة لكن الوقود نادر للغاية مما يجعل قرار استخدامه معركة داخلية هل تحرق الجثة الآن وتتجنب كابوسًا محتملًا أم تدخره لمواجهة قد تكون أخطر لاحقًا.

التصويب والانغماس
الكاميرا القريبة من الكتف على غرار Dead Space تضعك في مواجهة مباشرة مع الخطر كل طلقة تحتاج إلى أعصاب ثابتة وكل خطأ له ثمن ليست معركة لإظهار مهاراتك في الكومبو بل اختبار لقدرتك على التحكم بالخوف والتركيز تحت الضغط.
الألغاز في Cronos: The New Dawn قد تبدو مألوفة أبواب مقفلة تحتاج إلى مفاتيح ودوائر كهربائية معطلة تتطلب إصلاحًا وأدوات يُعاد توظيفها لتجاوز عقبات بيئية لكنها ليست هنا لتستعرض تعقيدها الذهني بل لتغرزك أكثر في فلسفة البقاء القاسية التي تحكم اللعبة.
الأبواب بدورها ليست مجرد حواجز ميكانيكية أحيانًا ستجد المفتاح في منطقة موبوءة حيث الجدران تنبض بالمادة اللحمية والأيتام يترصدونك في الظل الذهاب إليه ليس خيارًا ميكانيكيًا بل قرارًا وجوديًا: هل المخاطرة تستحق ما قد تجده خلف الباب؟

لكن الذروة الحقيقية تأتي مع الـ Essences الأرواح التي تجمعها عبر الزمن إنقاذ شخصية يمنحك قوة فريدة قدرة قتالية إضافية أو ميزة تكتيكية تغير أسلوب لعبك بالكامل لكن دائمًا هناك ثمن إنقاذ شخص يعني ترك آخر لحتفه ومعه قدرة أو منظور كان يمكن أن يُعيد تشكيل السرد اللعبة لا تعطيك إجابة صحيحة أو نهاية مثالية كل اختيار هو خسارة بقدر ما هو مكسب وكل قرار يترك بصمة أخلاقية تثقل كاهلك وأنت تكمل الرحلة.
قد تكون رحلة Cronos: The New Dawn خطية في جوهرها لكن العالم الذي ترسمه اللعبة يفيض بقدر من الغنى البصري والرمزي يجعلك تشعر وكأنك تتجول في متاهة تاريخية مفتوحة على احتمالات لا نهائية.
المواقع ليست مجرد خلفيات للمعارك بل مسارح لتاريخ مصنع فولاذ واقعي مهجور يصدح بصدى آلات منذ عقود ومستشفى غارق في صمت مميت تحرسه أجهزة وشوارع كراكوف القديمة وقد تحولت إلى أطلال تنبض ببقايا حياة ضائعة وأنفاق وكل موقع يحمل توقيعًا بيئيًا خاصًا به لا من حيث الشكل فقط بل في الطريقة التي يفرض بها عليك توترًا نفسيًا مختلفًا.

الأكثر إثارة هو التنقل الزمني بعض المناطق تزورها في أكثر من فترة فترى كيف كان المكان قبل الكارثة أثناء الانهيار وبعده بسنوات هذا التلاعب بالزمن لا يضيف تنوعًا بصريًا فحسب بل يصوغ شعورًا مرعبًا بالتحلل التدريجي حيث يتغير المشهد أمامك من مدينة مألوفة إلى جحيم.
لكن البيئة في Cronos لا تُكتفى بالديكور إنها قصة بحد ذاتها الجدران الملطخة بدماء كُتبت بها رسائل يأس وملاحظات تركها مسافرون سابقون لتكون آخر آثارهم والـEssences التي تستحضر أشباح الماضي لتروي ما لا يمكن أن يُحكى في حوار مباشر كل خطوة في الممرات أو الغرف الضيقة تمنحك قطعة جديدة من بانوراما الخراب البشري.
ورغم خطية التقدم هناك حرص على أن كل زاوية تستحق الاستكشاف قد تجد موردًا نادرًا ينقذك في معركة لاحقاً أو معلومة تكشف سرًا غامضًا عن المسافرين السابقين أو مشهدًا بصريًا صادمًا لا يهدف إلا إلى تعزيز رهبتك النتيجة هي عالم يبدو وكأنه ينهار حولك باستمرار لكنه في كل لحظة ينجح في إبقاء فضولك حيًا يدفعك نحو الاستمرار رغم الخوف.

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *