فهد العازمي
مؤسس الموقع المتخصص في تقديم آخر أخبار الألعاب، المراجعات، والتغطيات الحصرية لعالم الألعاب الإلكترونية
هناك ألعاب تحاول أن تبهر اللاعب وهناك ألعاب تحاول أن تسليه ثم هناك Goodnight Universe التي لا تتعامل مع اللاعب كلاعب بل كإنسان لا تكتفي اللعبة بأن تجذبك إلى عالم طفل يبلغ ستة أشهر من العمر بل تجعلك تعيش داخل عقله وتختبر خوفه ودهشته وقلقة ووعيه المبكر.
في Goodnight Universe نعيش داخل ذاكرة إسحاق الطفل الذي يروي تجربته كشخص بالغ بأسلوب تأملي يربط الماضي بالحاضر ويشرح لنا كيف كان قادر منذ لحظاته الأولى على التفكير بوضوح مع وعي كامل في جسد عاجز وعقل إنساني محاصر داخل حدود طفل لا يستطيع حتى الجلوس بمفرده.

هذا التناقض هو حجر الأساس الذي تبنى عليه القصة فهو يولد توترًا داخليًا دائمًا ليس بين الشخصيات فقط بل داخل اللاعب ذاته عندما تدرك قدرة إسحاق على فهم ما لا ينبغي عليه فهمه تبدأ تشعر بالثقل الذي يرافق هذا الوعي المبكر عقله يلتقط صراعات والده بين العمل والمال ومخاوف الأم والتعب الذي تخفيه خلف ابتسامة والحيرة داخل أخته المراهقة.
كل هذه الأمور يسمعها إسحاق كلها وتحمل فوق قلبه الصغير دون أن يملك أي وسيلة للتعبير عنها سوى البكاء.
القصة تتصاعد تدريجيًا بين الدهشة والنبرة الكوميدية ثم تتعمق فجأة في جرح إنساني مؤلم والجميل أن اللعبة لا تتسرع في قراراتها بل تفكك المشاعر طبقة بعد طبقة حتى تصل إلى نهاية مؤثرة تعيد صياغة كل ما ظننا أننا فهمناه.
أحد أهم عناصر Goodnight Universe هو طريقة اللعب المبنية على التفاعل الجسدي من خلال تتبع العين والكاميرا هنا لا تستخدم حركة الرأس والعيون كأداة لعب فحسب بل كوسيلة لسرد القصص عندما يغمض اللاعب عينيه لا ينتقل الزمن فقط بل تتغير طبيعة الإدراك داخل عالم الطفل.

اما غمضة العين قد تعني تشغيل الضوء الليلي أوتفعيل قدرة نفسية أو قراءة أفكار أحدهم أو دفع الأشياء بعقلك أو الدخول في تفاعل داخلي مع مشاعر إسحاق.
وهنا يكمن جمال التجربة اللاعب لا يصدر أوامر من الخارج بل يصبح جزءًا من العملية الشعورية نفسها عنما تغلق عينيك لسماع أفكار الأخت أنت لا تشاهد لعبة أنت تستمع إلى روح تمزقها التوقعات والضغط النفسي.
التحكم جميل ومبتكر لكنه ليس مثاليًا هناك لحظات تتطلب دقة عالية وربما تؤدي لإعادة لقطات لكنها لا تقلل من قيمة التجربة بل تذكر اللاعب أن هذا ليس اختبار مهارة بل رحلة داخل عقل طفل يبحث عن معنى.
الكتابة هنا تظهر فريقًا يفهم الإنسان العادي بكل تناقضاته فالأب ليس بطلًا وليس منهارًا بل رجل مرهق يحاول أن يقول لنفسه إنه قادر على تربية أطفاله كما يجب أما الأم ليست مستسلمة لكنها منهكة من القلق وتخشى أن اللحظات الجميلة بين أطفالها قد تنفلت فجأة من بين يديها والأخت مراهقة تحاول التوفيق بين طموحاتها وتوقعات المجتمع وتخفي خلف ابتسامتها الداخلية ويكتشف اللاعب وحده هذا الشي عندما يتنصت على أفكارها.
الأداء الصوتي لـ Lewis Pullman استثنائي يمزج بين لهجة طفل وتفكير رجل وبين الخوف والرغبة بالانتماء وبين السخرية والدهشة شخصية إسحاق نفسها يصبح طفلًا خارقًا لكنه في النهاية طفل يخاف أن يفقد عائلته.

الفن البصري للعبة يبدو كأنه كتاب أطفال يتحول تدريجيًا إلى دفتر ذكريات مؤلم والألوان مشرقة في البداية وممتعة ومريحة لكن كلما تعقدت الأحداث تبدأ الألوان بالبهتان وتتحول البيئة البصرية إلى انعكاس لمخاوف الطفل وقلق العائلة والاختناق الداخلي الذي يصاب به إسحاق عندما يشعر بأنه عبء على من يحب.
أما الموسيقى فهي ليست عنصرًا مكملًا إنها صوت القصة نفسها مزيج بين اللطف والحزن بين الدفء والارتباك.
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *