فهد العازمي
مؤسس الموقع المتخصص في تقديم آخر أخبار الألعاب، المراجعات، والتغطيات الحصرية لعالم الألعاب الإلكترونية
أنا من محبي Little Nightmares منذ أول جزء، لكني دخلت الجزء الثالث وفي رأسي سؤال واحد هل ستحافظ Supermassive على روح السلسلة بعد رحيل Tarsier أم ستجعلها أكشن سينمائيًا على طريقتها؟ بعد ساعات بين الهروب والاختباء وحل الألغاز وأحيانًا التحديق بصمت في الشاشة أستطيع القول إن Little Nightmares III ما تزالت تعطي طابع الرعب النفسي.
القصة تدور حول Low وAlone طفلين يحاولان الفرار من The Spiral دوامة من العوالم والفصول كل فصل كابوس مستقل وله ساكن يفرض قوانينه أكثر ما أحببته هنا أن اللعبة لا تسرد ماذا حدث بل كيف يُشعرك ما يحدث انتقالات بين المكان الموازي والبيئات الحقيقية مع الصمت بين البطلينكلها صنعت علاقة بين الشخصتين دون التحدث بكلمة واحدة.

القصة لا ترضي فضولك دفعة واحدة المصنع اللزج للحلوى لا يقول لك لمن تُصنع الحلوى والنيكروبوليس الصحراوي لا يشرح لماذا تراكمت الجثث لكن الخيوط الرمزية متسقة الطفولة المكسورة والاستغلال وفكرة المألوف حين يُشوه والنهاية تمنحك صورًا قوية أكثر من إجابات قاطعةوأنا فضلت هذا النهج لأن Little Nightmares لطالما كانت قصة تُختبر لا تُفهم حرفيًا.
اللعبة تبقى لعبة منصات سينمائية بتركيبة بسيطة تحرّك واختبئ وراقب النمط ثم نفذ في التوقيت الصحيح. الجديد هو تمايز الأدوات:
Low: قوس وسهام لتفعيل مفاتيح عن بُعد أو إسقاط صناديق.
Alone: مفتاح ربط لكسر عوائق وإدارة رافعات وتعطيل قواطع.
الألغاز ليست صعبة لكنها تعاونية التفكير حمل مصدر ضوء لصد الحشرات بينما يصعد الآخر رفع شريكك على حافة لا تبلغها وحدك لعبت منفردًا الذكاء الاصطناعي للشريك في اللعب الفردي موثوق غالبًا لكنه ليس بديلًا عن اللاعب الحقيقي.
التخفي يعود بالصيغة التي أحبها تعلم نمط الخطر و تحرّك كظل وتقبل بعض المحاولات مطاردة العجوز ذات الأذرع الثمانية داخل المصنع كانت ذروة تصميم التوتر ليست صعبة ميكانيكيًا لكنها ترغمك على مواجهة مصدر القرف البصري وهذا أساس الرعب في Little Nightmares والقفزات الدقيقة قد تخونك أحيانًا بسبب زاوية كاميرا لا ترى منها المنصّة بشكل مثالي.

أكثر ما فاجأني العلاقة بين Low وAlone تُحكى بالجسد كيف يتأكد أحدهما من الآخر بعد السقوط وكيف يمد يده وكيف يتباطأ ليلحقه هذه اللفتات البسيطة جعلتني أعيد التفكير في مواجهة المخاطر صرتُ أختبئ لأن الآخر يهمني.
في Little Nightmares III لا يُقدم العالم على أنه مكان يُستكشف بل كـ تجربة نفسية تُعاش The Spiral ليس مجرد خريطة أو مدينة متصلة بل هو مجلد كوابيس متشابكة كل فصل فيه يمثل وجهًا مختلفًا من الرعب الإنساني رعب النظام والعزلة وفقدان الإرادة هذا العالم هو في حد ذاته شخصية رئيسية يراقبك بصمت يُربيك على الخوف ويذكرك في كل خطوة بأنك مجرد كائن صغير عالق داخل آلة ضخمة بلا رحمة.
في المصنع يتخذ الرعب شكل السخرية من اللذة خطوط الإنتاج تمتد كالأوردة تنبض بالإيقاع الميكانيكي البارد العمال المعلقون من الحبال يتحركون كدمى بلا إرادة يحركون أذرعهم في تكرار ميت وكأن أرواحهم ذابت مع الحلوى التي يصنعونها في البداية يخدعك اللون الوردي والضوء الناعم في الخلفية لكنك سرعان ما تكتشف أن السكر مجرد طلاء لقبح لا يوصف حتى الأرض التي تدوسها تصدر صوتًا يشبه تكسير العظام لا طحن الحلوى هنا الرعب ليس في الدماء بل في الابتسامة الزائفة التي تُخفي الجحيم خلفها كنت أمشي بين آلات المصنع وكأنني أتنزه داخل جسد حي يحتضر ببطء.

ثم تأتي إلى النيكروبوليس عالم آخر أقرب إلى العدم منه إلى الحياة الرياح تهمس والرمال تبتلع آثار خطواتك كما لو أنها ترفض وجودك أصلًا تُجبرك اللعبة هنا على مواجهة الفراغ لا أعداء لا أصوات فقط صمت ثقيل يجعلك تسمع أفكارك الخاصة وهي تتعفن من الخوف تبدو المدينة وكأنها أطلال حضارة نُسيت عمدًا.
كل جدار متشقق يروي قصة خيبة وكل قوس حجري يخفي تحته مأوى لروح لم تجد طريق الخلاص في الداخل يتحول الهواء من جاف خانق إلى مكان رطب ما يميز هذا الفصل أنه لا يخيفك بصريًا بل يدخل فيك شعورًا بالعزلة الرعب هنا أنك وحيد تمامًا بلا أحد يسمعك حتى لو صرخت.
ما جعلني أُعجب بعالم Little Nightmares III هو الذكاء في النسبة بينك وبين البيئة أنت دائمًا أصغر من كل شيء حولك الأبواب والطاولات والممرات حتى الأدوات التي تستخدمها تبدو وكأنها صنعت لعمالقة هذا التفاوت في الحجم ليس مجرد خيار فني بل رمز دائم لعجزك وقلة حيلتك العالم لا يهتم بك ولا يتفاعل معك.

التصميم البصري أيضًا لا يستعرض جماله عبثًا كل قطعة أثاث وكل أنبوب كل لوحة على الجدار تحمل معنى رمزي في مصنع الحلوى مثلًا تنعكس الأضواء على جدران زجاجية تشبه مربعات حلوى شفافة لكن بداخلها ظلال وجوه محبوسة وكأن العالم يستهلك سكانه ليُغذي نفسه.
ما أحببته شخصيًا هو أن اللعبة تكافئ فضولك دون أن تفسده إذا انحرفت عن المسار لا تجد صندوق غنيمة أو نقاط خبرة بل مشهدًا بصريًا صامتًا دمية معلقة تُحركها الرياح أو مرآة مكسورة تُريك وجهك في هيئة مخلوق آخر هذه اللحظات الصغيرة ليست لتُكافئك ميكانيكيًا بل لتجعلك تشعر أنك رأيت شيئًا لم يكن المفترض أن تراه وهذا بحد ذاته أحد أجمل أنواع المكافأة في ألعاب الرعب النفسي.
الرسومات في Little Nightmares III تمثل أحد أبرز عناصر التجربة وربما أكثرها إتقانًا فنيًا على مستوى السلسلة بأكملها منذ اللحظة الأولى يتضح أن الفريق في Supermassive Games لم يسع فقط إلى تقديم رسوم جميلة بل أراد بناء هوية بصرية جديدة تحافظ على روح الأجزاء السابقة وتدفعها خطوة نحو الواقعية الرمزية.

الإضاءة هنا ليست مجرد عنصر تقني بل لغة سردية قائمة بحد ذاتها الضوء يرشدك لكنه في الوقت نفسه يخدعك يريك الأمان ثم يوجهك إلى المجهول الظلال تتحرك ببطء تكاد تشعر أنها كائنات حية تراقبك لا مجرد ظلال عندما يمر ضوء بين الغبار العالق في الهواء تدرك أن كل جزء من البيئة مصمم ليجعلك تشعر بثقل المكان لا بمجرد رؤيته.
خامات الأسطح والانعكاسات تُظهر براعة محرك التطوير الجدران المبللة في النيكروبوليس تبدو وكأنها تتنفس والمعدن في مصنع الحلوى يعكس الأضواء بلمعان مزعج يوحي بالفساد أكثر من الجمال وكل مادة في البيئة سواء كانت قماشًا أو زجاجًا أو خشبًا تملك ملمسًا بصريًا مميزًا كأنك تستطيع لمس الخوف بيديك.
الموسيقى التصويرية في Little Nightmares III ليست مجرد خلفية مرافقة للمشاهد بل هي جهاز تنفس للعالم وهو نصف الحكاية كما يمكن وصفها بدقة اللعبة لا تعتمد على اللحن لتقود العاطفة بل لتغرس حالة شعورية مستمرة من التوتر والريبة تجعل السكون نفسه يبدو مريبًا.
منذ الدقائق الأولى تبدأ الأصوات البيئية في بناء طبقة خفية من الخوف صرير ألواح الأرض القديمة تحت قدميك أو خرير أنابيب يختلط بهمهمة كائن لا تراه كل صوت هنا محسوب بدقة ليجعلك تشعر أن العالم لا يصمت أبدًا هناك دائمًا شيء يتحرك ويراقب ويتنفس من بين الجدران.

ما أعجبني شخصيًا هو كيف تستخدم اللعبة الموسيقى كإشارة لا كخلفية اللحن لا يظهر ليملأ الصمت بل ليخبرك بشيء أن الخطر اقترب أو أن الأمان مؤقت أو ببساطة ليذكرك أنك مراقب في بعض اللحظات يبدأ لحن بالكاد يُسمع ثم يتلاشى قبل أن تدرك من أين أتى وكأن العالم نفسه تراجع عن كشف سره هذه المقاربة الموسيقية تجعل التجربة أقرب إلى السينما النفسية.
جربت اللعب باستخدام سماعات رأس وكانت التجربة مختلفة كليًا يمكنك تمييز اتجاه الخطوات فوقك أو حركة الهواء خلف جدار أو حتى التنفس الخافت لأحد الكائنات في الغرفة المجاورة كثير من التلميحات في اللعبة سمعية قبل أن تكون بصرية مما يجعل الانتباه للأصوات جزءًا من أسلوب اللعب نفسه وفي إحدى اللحظات سمعت صوت احتكاك خفيف في الخلفية فظننت أنه مجرد مؤثر بيئي لكن بعد ثواني تحرك ظل في الزاوية وأيقنت أن اللعبة تسمعك قبل أن تُريك.

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *