فهد العازمي
مؤسس الموقع المتخصص في تقديم آخر أخبار الألعاب، المراجعات، والتغطيات الحصرية لعالم الألعاب الإلكترونية
منذ اللحظة الأولى شعرت أن South of Midnight لا تحاول أن تروي قصة بطلة بقدر ما تحاول أن تفتح بابًا لذاكرة مثقلة بالألم رحلة هايزل للبحث عن والدتها تبدو في ظاهرها بسيطة وكارثة طبيعية وفقدان ثم محاولة للعثور على شيء ضائع لكن مع التقدم يتضح أن ما تبحث عنه ليس مجرد شخص بل معنى أو ربما فهم أعمق لما حدث.
البداية كانت صادقة وجاذبة خصوصًا في تركيزها على العلاقة بين هايزل ووالدتها وعلى جذورها العائلية هناك دفء واضح في التقديم ومدعوم بأسلوب بصري مميز وأداء صوتي يحمل إحساسًا حقيقيًا لكن مع مرور الوقت يبدأ السرد في التغير لا يتوقف لكنه يتشعب.

القصة تتحول تدريجيًا من رحلة شخصية إلى مجموعة حكايات عن أشخاص آخرين وذكرياتهم وآلامهم وخيباتهم هذه القصص في حد ذاتها كانت مؤثرة وتحمل عمقًا إنسانيًا واضحًا لكنها لم تُقدم بنفس القوة من حيث طريقة سردها عبر ذكريات متناثرة أو تسجيلات جعلتها تبدو أبعد وأقل قربًا وكأنها تُروى من خلف زجاج.
وهنا بدأت أشعر أن الإيقاع يتغير والقصة الرئيسية التي كنت متعلقًا بها في البداية بدأت تتباطأ ليس لأنها ضعيفة بل لأنها فقدت تركيزها وكأن اللعبة انشغلت بعالمها الواسع ونسيت الرحلة الأساسية التي بدأت منها.
منذ الساعات الأولى كان واضحًا لي أن أسلوب اللعب في South of Midnight مبني على إيقاع محدد إيقاع لا يحاول إخفاء نفسه بل يقدم نفسه بشكل مباشر وربما هنا تكمن المفارقة كان في البداية نقطة قوة لكنه مع الوقت أصبح عبئًا.
تتكرر الحلقة بشكل شبه ثابت مثل منطقة جديدة وتنقل عبر المنصات وصول إلى نقطة معينة ومن ثم مواجهة واسترجاع ذكرى ثم مطاردة تنهي الفصل في البداية كان لهذا التكرار نوع من الراحة وكنت أفهم ما ينتظرني وأتفاعل معه بسلاسة لكن مع مرور الوقت تحول هذا الوضوح إلى توقع ثم إلى تكرار.
لم تكن المشكلة في هذا البناء بحد ذاته بل في غياب التطور داخله لم أشعر أن اللعبة تحاول أن تعيد تقديم هذه الحلقة بشكل مختلف أو أن تضيف لها بعدًا جديدًا ومع تقدم الفصول بدأت أفقد ذلك الفضول الذي يدفعني للاستمرار واستُبدل بسؤال أبسط كم تبقى على النهاية؟
ومع ذلك لم تكن التجربة متساوية في كل عناصرها البلاتفورم كان الجانب الأكثر حيوية ورغم بساطته إلا أن اللعبة نجحت في إدخال تغييرات صغيرة مثل حركات جديدة وأفكار مختلفة وعوائق متجددة جعلت التنقل ممتعًا بشكل مستمر لم يكن معقدًا لكنه كان كافيًا ليحافظ على اهتمامي وكأنه المساحة التي سمحت فيها اللعبة لنفسها أن تتنفس.

في المقابل القتال بدا وكأنه الحلقة الأضعف محدود في خياراته وبسيط في تنفيذه ويفتقر لذلك العمق الذي يجعلك ترغب في إتقانه وبعد فترة شعرت أنني لا أتعلم شيئًا جديدًا بل أكرر ما تعلمته مسبقًا دون تطور حقيقي في الإحساس أو التحدي.
لكن عندما تظهر مواجهات الزعماء يتغير الإيقاع ولو مؤقتًا هنا تلمح شيئًا مختلفًا تصميم أكثر جرأة وأفكار أوضح وموسيقى تضيف وزنًا حقيقيًا للمواجهة هذه اللحظات كانت تذكيرًا بما يمكن أن تكون عليه اللعبة لو استمرت بهذا المستوى من التنوع.
إذا كان هناك عنصر واحد يمكنني أن أصفه بأنه جوهر South of Midnight فسيكون بلا تردد توجهها الفني ليس لأنه جميل فقط بل لأنه يحمل هوية واضحة إحساس لا تخطئه منذ اللحظة الأولى.
اللعبة لا تشبه غيرها وهذا نادر استخدام أسلوب stop-motion في المشاهد لم يكن مجرد اختيار بصري بل كان قرارًا يمنح التجربة ملمسًا خاصًا وكأن كل حركة كل لقطة صُنعت بعناية يدوية هناك بطء خفيف في الحركة لكنه ليس ضعفًا بل جزء من الإحساس كأنك تشاهد حكاية تُروى أمامك لا تُعرض فقط.
وبين الفصول يأتي أسلوب الكتاب المصور ليكمل هذه الفكرة صفحات تُفتح ورسومات تتحرك وكأن اللعبة تعود بك إلى فكرة الحكاية في أبسط أشكالها.

لكن ما لفتني أكثر لم يكن الشكل بل ما وراء العالم هنا جميل نعم لكنه ليس جمالًا مريحًا هناك تناقض مستمر يكاد يكون مقصودًا مثل أماكن تبدو هادئة لكنها تحمل شيئًا ثقيلًا تحت سطحها وغابات خضراء تخفي ماضيًا مؤلمًا ومستنقعات تشعرك بأن هناك حكايات لم تُحكى بعد وبيئات تبدو ساحرة لكنها مشبعة بشيء من الحزن.
هذا التوازن بين الجمال والقسوة هو ما أعطى العالم عمقه لم أشعر أنني أتجول في أماكن جميلة بل في أماكن حقيقية بطريقتها أماكن لها أثر والتنوع في البيئات عزز هذا الإحساس كل منطقة لم تكن مختلفة بصريًا فقط بل كانت تحمل شعورًا خاصًا أحيانًا هدوء وأحيانًا توتر وأحيانًا ذلك الإحساس الغريب بين الاثنين وهذا ما جعل الاستكشاف ممتعًا حتى في اللحظات التي لم تكن فيها بقية عناصر اللعبة بنفس القوة .
الصوت في South of Midnight لم أشعر أنه مجرد عنصر يُكمل الصورة بل كان جزءًا من الحكاية نفسها. ليس شيئًا أسمعه في الخلفية بل شيء أعيشه مع كل لحظة.
الأداء الصوتي كان صادقًا بشكل لافت صوت هايزل يحمل إحساسًا حقيقيًا بسيطًا لكنه مؤثر والراوي أضاف بعدًا خاصًا وكأنه ليس فقط يصف ما يحدث بل يشارك في تشكيله هناك حضور واضح للصوت لكنه لا يطغى بل ينساب بهدوء داخل التجربة.

لكن ما بقي معي أكثر هو الموسيقى لم تكن مجرد مرافقة للمشاهد بل وسيلة تعبير قائمة بذاتها في لحظات معينة خصوصًا قبل مواجهات الزعماء تتحول الموسيقى إلى ما يشبه القصة كلمات تُقال وألحان تتصاعد وإيقاع يتغير وكأن اللعبة تسبق الحدث وتخبرك بما ستشعر به قبل أن تعيشه.
من الناحية التقنية شعرت أن South of Midnight تقدم تجربة مستقرة ومريحة دون أن تحاول لفت الانتباه بشكل مبالغ فيه على جهاز PS5 Pro كان الأداء سلسًا طوال الوقت بمعدل إطارات ثابت وانتقالات هادئة بين المشاهد مع أوقات تحميل لم تقطع الإيقاع لم أواجه مشاكل تُذكر ولا أخطاء تُخرجني من التجربة وهذا بحد ذاته يمنح نوعًا من الطمأنينة أثناء اللعب.
لكن ورغم هذا الاستقرار لم يكن كل شيء بنفس المستوى الذكاء الاصطناعي كان أحد الجوانب التي شعرت أنها لم تصل لنفس درجة العناية وتحركات الأعداء بدت أحيانًا غير متسقة ليس لأنها معقدة أو صعبة التوقع بل لأنها تفتقد للنمط الواضح لحظات من الاندفاع المفاجئ يقابلها تردد أو جمود غير مبرر هذا التفاوت جعل بعض المواجهات تبدو أقل توازنًا وكأن التحدي لا يأتي من تصميم مدروس بل من عشوائية في السلوك.
أما استخدام خصائص يد التحكم DualSense فكان محدودًا إلى حد كبير لم أشعر أن اللعبة استثمرت فعليًا في الإمكانيات التي يمكن أن تضيف طبقة إحساس إضافية سواء من خلال الاهتزازات المتقدمة أو استجابة الأزرار كان بالإمكان أن تكون التجربة أكثر حضورًا من الناحية الحسية لكن هذا الجانب ظل بسيطًا أقرب إلى الاستخدام التقليدي.
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *